قد يقرر العامل إنهاء علاقته بصاحب العمل لأسباب مهنية أو شخصية، فيلجأ إلى الاستقالة. وحتى وقت قريب كانت أحكام الاستقالة في نظام العمل السعودي تُستخلص من القواعد العامة لانتهاء العقد، إلى أن جاءت تعديلات نظام العمل الصادرة بالمرسوم الملكي رقم (م/44) وتاريخ 8/2/1446هـ لتنص صراحة على الاستقالة سببًا مستقلًا لانتهاء العقد، وتضع لها مادة خاصة تنظم قبولها وتأجيلها والعدول عنها.
ويشرح هذا المقال أحكام الاستقالة في السعودية بعد هذه التعديلات، وأثرها على حقوق العامل وفي مقدمتها مكافأة نهاية الخدمة، والتزامات صاحب العمل، والفرق بين الاستقالة وترك العمل لأسباب مشروعة.
ملاحظة نظامية مهمة: بدأ نفاذ تعديلات نظام العمل في 20/8/1446هـ (19 فبراير 2025م) مع نشر اللائحة التنفيذية لنظام العمل وملحقاتها، ويعتمد هذا المقال على النصوص بعد هذه التعديلات.
الاستقالة سبب مستقل لانتهاء عقد العمل
أضافت التعديلات إلى المادة الرابعة والسبعين من نظام العمل، التي تعدد حالات انتهاء عقد العمل، فقرة جديدة برقم «3 مكرر» نصها: «الاستقالة». وبذلك أصبحت الاستقالة سببًا مستقلًا لانتهاء العقد، يختلف عن إنهاء العقد غير محدد المدة بإرادة أحد الطرفين، وعن انتهاء العقد بالاتفاق أو بانتهاء مدته.
أحكام الاستقالة في المادة التاسعة والسبعين مكرر
نظمت المادة التاسعة والسبعون مكرر المضافة إلى نظام العمل أحكام الاستقالة تفصيلًا، ويمكن تلخيصها فيما يلي:
القبول الحكمي بعد ثلاثين يومًا
يُعد طلب الاستقالة مقبولًا إذا مضى على تقديمه ثلاثون يومًا دون رد من صاحب العمل. فسكوت صاحب العمل لا يُبقي العامل مرتبطًا بالعقد إلى أجل غير محدد.
تأجيل قبول الاستقالة
لصاحب العمل تأجيل قبول الاستقالة مدة لا تزيد على ستين يومًا إذا اقتضت مصلحة العمل ذلك، بشرط أن يقدم للعامل إيضاحًا مسببًا مكتوبًا، وأن يتم التأجيل قبل انتهاء مدة الثلاثين يومًا. وتُحتسب مدة التأجيل من تاريخ تقديم الإيضاح للعامل.
تاريخ انتهاء العقد بالاستقالة
ينتهي عقد العمل بالاستقالة في أقرب الحالات التالية: تاريخ قبول صاحب العمل لها، أو مضي ثلاثين يومًا دون رد، أو انقضاء مدة التأجيل.
العدول عن الاستقالة
للعامل أن يعدل عن طلب الاستقالة خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام من تاريخ تقديمه، ما لم يكن صاحب العمل قد قبلها قبل العدول.
عدم جواز تحديد تاريخ مؤجل
لا يصح أن يُحدد في طلب الاستقالة تاريخ مؤجل لها؛ فالمدد التي تمر بها الاستقالة تحكمها المادة نفسها.
استمرار العقد خلال مدة الطلب
يظل عقد العمل ساريًا خلال مدة طلب الاستقالة، ويلتزم الطرفان بتنفيذ جميع الالتزامات الناشئة عنه، فيستمر العامل في أداء عمله، ويستمر صاحب العمل في دفع الأجر والوفاء بباقي التزاماته.
استحقاق الحقوق النظامية
نصت الفقرة الأخيرة من المادة على أن العامل الذي انتهى عقده بالاستقالة يستحق جميع حقوقه المقررة بموجب نظام العمل، ومنها مكافأة نهاية الخدمة وفق الأحكام الخاصة بالاستقالة.
مكافأة نهاية الخدمة عند الاستقالة
تقوم مكافأة نهاية الخدمة بحسب المادة الرابعة والثمانين على أجر نصف شهر عن كل سنة من السنوات الخمس الأولى، وأجر شهر عن كل سنة مما بعدها، على أساس الأجر الأخير، مع استحقاق المكافأة عن أجزاء السنة بنسبة ما قضاه العامل منها.
لكن المادة الخامسة والثمانين وضعت حكمًا خاصًا عندما يكون انتهاء العلاقة بسبب استقالة العامل:
| مدة الخدمة المتصلة | ما يستحقه العامل المستقيل من المكافأة |
|---|---|
| أقل من سنتين | لا يستحق مكافأة |
| من سنتين إلى خمس سنوات | ثلث المكافأة |
| أكثر من خمس سنوات وأقل من عشر | ثلثا المكافأة |
| عشر سنوات فأكثر | المكافأة كاملة |
حالات استحقاق المكافأة كاملة رغم الاستقالة
استثنت المادة السابعة والثمانون من الحكم السابق حالتين يستحق فيهما العامل المكافأة كاملة:
- ترك العامل العمل نتيجة قوة قاهرة خارجة عن إرادته.
- إنهاء العاملة العقد خلال ستة أشهر من تاريخ عقد زواجها أو ثلاثة أشهر من تاريخ وضعها.
الفرق بين الاستقالة وترك العمل لسبب مشروع
ليست كل مغادرة للعمل بمبادرة من العامل استقالة بالمعنى الذي يخفض المكافأة. فقد قررت المادة الحادية والثمانون حق العامل في ترك العمل دون إشعار مع احتفاظه بحقوقه النظامية كلها في حالات محددة، منها:
- عدم وفاء صاحب العمل بالتزاماته العقدية أو النظامية الجوهرية تجاه العامل.
- الغش وقت التعاقد في شروط العمل وظروفه.
- تكليف العامل دون رضاه بعمل يختلف جوهريًا عن العمل المتفق عليه.
- الاعتداء على العامل أو معاملته بقسوة أو جور أو إهانة.
- وجود خطر جسيم في مقر العمل يعلم به صاحب العمل ولا يتخذ ما يزيله.
- دفع صاحب العمل العامل بتصرفاته إلى أن يبدو في الظاهر هو من أنهى العقد.
وتكمن أهمية هذا الفرق في أن العامل الذي يترك العمل لأحد هذه الأسباب لا يخضع للتخفيض الوارد في المادة الخامسة والثمانين، ولذلك ينبغي توثيق السبب والأدلة قبل تقديم أي طلب، وصياغة الخطاب بما يعكس حقيقة الواقعة.
الاستقالة في العقد محدد المدة
إذا كان العقد محدد المدة وقدم العامل استقالته قبل انتهاء المدة، فإن الآثار المالية قد تتأثر بما تقرره المادة السابعة والسبعون؛ إذ يستحق الطرف المتضرر من إنهاء العقد لسبب غير مشروع، ما لم يتضمن العقد تعويضًا محددًا، تعويضًا يعادل أجر المدة الباقية من العقد محدد المدة، على ألا يقل عن أجر شهرين. ولذلك يحسن قبل الاستقالة من عقد محدد المدة مراجعة شروط العقد وطبيعة السبب، وإمكانية الاتفاق مع صاحب العمل على إنهاء العقد بالتراضي وفق الفقرة (1) من المادة الرابعة والسبعين.
الآثار المترتبة على الاستقالة بالنسبة لصاحب العمل
- الالتزام بالرد خلال ثلاثين يومًا أو تأجيل القبول بإيضاح مسبب مكتوب، وإلا عُدّت الاستقالة مقبولة.
- الاستمرار في الوفاء بالأجر والالتزامات خلال مدة الطلب.
- تسوية حقوق العامل بعد انتهاء العقد، ومنها مكافأة نهاية الخدمة وفق المادتين الخامسة والثمانين والسابعة والثمانين.
- الاستفادة من شرط عدم المنافسة أو عدم الإفشاء إن وجد في العقد، بشرط أن يكون مكتوبًا ومحددًا وفقًا للمادة الثالثة والثمانين.
أمثلة عملية توضيحية
الأمثلة التالية افتراضية لتوضيح القواعد النظامية، وليست وقائع قضائية حقيقية.
المثال الأول: استقالة دون رد من صاحب العمل
لنفترض أن عاملًا قدم استقالته، ولم يرد صاحب العمل بالقبول أو التأجيل. بعد مضي ثلاثين يومًا من تقديم الطلب تُعد الاستقالة مقبولة وينتهي العقد وفق المادة التاسعة والسبعين مكرر، ويظل العامل ملتزمًا بأداء عمله ويستحق أجره طوال هذه المدة.
المثال الثاني: حساب المكافأة بعد سبع سنوات
لنفترض أن عاملًا خدم سبع سنوات متصلة ثم استقال، وكان أجره الأخير ثمانية آلاف ريال. تُحسب المكافأة الكاملة وفق المادة الرابعة والثمانين: نصف أجر شهر عن كل سنة من السنوات الخمس الأولى (20,000 ريال)، وأجر شهر عن كل سنة من السنتين التاليتين (16,000 ريال)، فيكون المجموع 36,000 ريال. ولأن مدة خدمته تزيد على خمس سنوات ولم تبلغ عشرًا، يستحق ثلثي هذا المبلغ وفق المادة الخامسة والثمانين، أي 24,000 ريال.
المثال الثالث: ترك العمل بسبب عدم صرف الأجور
لنفترض أن صاحب العمل امتنع عن صرف أجور العامل عدة أشهر، فترك العامل العمل. في هذه الحالة قد يندرج الترك تحت الفقرة (1) من المادة الحادية والثمانين بوصفه إخلالًا بالتزام جوهري، فيحتفظ العامل بحقوقه النظامية كلها، ومنها المكافأة دون تخفيض، متى ثبت الإخلال.
المبادئ الحاكمة لآثار الاستقالة وتسوية الحقوق
- الاستقالة إرادة العامل: وتنتج أثرها وفق المدد التي حددتها المادة التاسعة والسبعون مكرر، لا وفق رغبة صاحب العمل المطلقة.
- العبرة بحقيقة سبب الإنهاء: وصف الخطاب بأنه استقالة لا يمنع من إثبات أن الترك كان لسبب مشروع وفق المادة الحادية والثمانين.
- استمرار الالتزامات حتى انتهاء العقد: فلا يجوز وقف الأجر خلال مدة طلب الاستقالة، ولا يجوز للعامل الانقطاع عن العمل خلالها.
- تسوية الحقوق وفق النظام: تُحسب المكافأة بحسب مدة الخدمة المتصلة والأجر الأخير والنسب الواردة في المادة الخامسة والثمانين.
وتطبيق هذه المعاني يختلف بحسب وقائع كل حالة ومستنداتها.
أخطاء شائعة عند الاستقالة
- الانقطاع عن العمل فور تقديم الاستقالة قبل انتهاء العقد نظامًا.
- تحديد تاريخ مؤجل في خطاب الاستقالة، رغم أن النظام لا يجيز ذلك.
- تقديم استقالة مكتوبة في حالة تستوجب ترك العمل وفق المادة الحادية والثمانين، دون توثيق السبب.
- إغفال مهلة السبعة أيام للعدول عن الاستقالة.
- عدم مراجعة شروط العقد محدد المدة وشروط عدم المنافسة قبل الاستقالة.
كيف يساعدك موقع الجوهر في قضايا انتهاء عقد العمل
يقدم موقع الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية ضمن خدمات الاستشارات العمالية ما يلي:
- دراسة وضع العامل قبل الاستقالة وتحديد المسار الأنسب لإنهاء العقد.
- حساب مكافأة نهاية الخدمة والمستحقات المالية.
- صياغة خطابات الاستقالة أو ترك العمل وتوثيق الأسباب.
- تمثيل العمال وأصحاب العمل في المطالبات أمام المحاكم العمالية.
للاستفسار والتواصل: 0538448445
الخلاصة
أصبحت الاستقالة في السعودية بعد تعديلات نظام العمل سببًا مستقلًا لانتهاء عقد العمل، تحكمها المادة التاسعة والسبعون مكرر: تُعد الاستقالة مقبولة بمضي ثلاثين يومًا دون رد، ويجوز لصاحب العمل تأجيل قبولها ستين يومًا بإيضاح مسبب مكتوب، وللعامل العدول عنها خلال سبعة أيام ما لم تُقبل، ويبقى العقد ساريًا خلال مدة الطلب.
ويستحق العامل المستقيل حقوقه النظامية، ومنها مكافأة نهاية الخدمة وفق النسب الواردة في المادة الخامسة والثمانين، مع استحقاقها كاملة في حالات المادة السابعة والثمانين. كما ينبغي التمييز بين الاستقالة وترك العمل لسبب مشروع وفق المادة الحادية والثمانين، لما لذلك من أثر مباشر على الحقوق المالية.
موقع الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية
0538448445

