شعار الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية
مكافحة الرشوة في السعودية

مكافحة الرشوة في السعودية: المسؤولية الجزائية على الموظف والمنشأة

تُعد الرشوة من أخطر الجرائم التي تمس نزاهة الوظيفة وعدالة التعاملات التجارية، ولذلك أولاها المنظم السعودي اهتمامًا خاصًا من خلال نظام مكافحة الرشوة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/36) وتاريخ 29/12/1412هـ، الذي عُدّل عدة مرات، أبرزها التعديل الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/4) وتاريخ 2/1/1440هـ الذي مدّ نطاق التجريم إلى القطاع الخاص.

ولا تقتصر مخاطر الرشوة على الموظف العام، بل تمتد إلى موظفي الشركات والجمعيات، وإلى المنشأة نفسها إذا ارتُكبت الجريمة لمصلحتها. ويشرح هذا المقال صور جريمة الرشوة في النظام السعودي، وعقوباتها، ومسؤولية المنشآت، وحالات الإعفاء، وما ينبغي على الشركات فعله للحد من هذه المخاطر.

مفهوم الرشوة في النظام السعودي

تقوم الرشوة على طلب أو قبول أو أخذ وعد أو عطية مقابل أداء عمل من أعمال الوظيفة أو الامتناع عنه أو الإخلال بواجباتها. وقد وسعت المادة الثانية عشرة مفهوم العطية، فاعتبرت من قبيل الوعد أو العطية كل فائدة أو ميزة يمكن أن يحصل عليها المرتشي، أيًا كان نوعها أو اسمها، ماديةً كانت أو غير مادية. فالهدية أو الخدمة أو التوظيف أو أي منفعة أخرى قد تدخل في هذا المفهوم متى ارتبطت بعمل الوظيفة.

صور جريمة الرشوة لدى الموظف العام

حدد النظام عدة صور يُعد فيها الموظف العام مرتشيًا، ويعاقب عليها بالسجن مدة لا تتجاوز عشر سنوات وبغرامة لا تزيد على مليون ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين:

  • الرشوة لأداء عمل وظيفي ولو كان العمل مشروعًا، أو يزعم الموظف أنه من أعمال وظيفته (المادة الأولى).
  • الرشوة للامتناع عن عمل وظيفي ولو كان الامتناع مشروعًا (المادة الثانية).
  • الرشوة للإخلال بواجبات الوظيفة أو مكافأةً على ما وقع منه ولو دون اتفاق سابق (المادة الثالثة).
  • استغلال النفوذ: طلب أو قبول عطية لاستعمال نفوذ حقيقي أو مزعوم للحصول من سلطة عامة على قرار أو ترخيص أو عقد أو وظيفة أو مزية (المادة الخامسة)، وقد عُدّلت هذه المادة لتشمل «كل شخص» بدلًا من «كل موظف عام».

ولا يؤثر في قيام الجريمة، وفق المادتين الأولى والثانية، أن يكون قصد الموظف قد اتجه إلى عدم القيام بما وعد به؛ فالجريمة تقوم بمجرد الطلب أو القبول أو الأخذ.

صور أخرى ملحقة بالرشوة

  • الإخلال بالواجب نتيجة رجاء أو توصية أو وساطة: يعد الموظف في حكم المرتشي، ويعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات وبغرامة لا تزيد على مائة ألف ريال أو بإحداهما (المادة الرابعة).
  • قبول عطية لمتابعة معاملة في جهة حكومية: بالسجن مدة لا تتجاوز سنتين وبغرامة لا تزيد على خمسين ألف ريال أو بإحداهما، وتسري العقوبة نفسها على المعطي والوسيط (المادة السادسة).
  • استعمال القوة أو التهديد ضد موظف عام لحمله على أمر غير مشروع أو على اجتناب عمله، ويعاقب بعقوبة المادة الأولى (المادة السابعة).

من يُعد في حكم الموظف العام

لم يقصر النظام وصف الموظف العام على موظفي الجهات الحكومية، بل وسعته المادة الثامنة ليشمل فئات عديدة، منها:

  • كل من يعمل لدى الدولة أو أحد الأجهزة ذات الشخصية المعنوية العامة، بصفة دائمة أو مؤقتة.
  • المحكم أو الخبير المعين من الحكومة أو من هيئة ذات اختصاص قضائي.
  • كل مكلف من جهة حكومية أو سلطة إدارية بأداء مهمة معينة.
  • العاملون في الشركات أو المؤسسات التي تدير المرافق العامة أو تشغلها أو تصونها أو تباشر خدمة عامة، والعاملون في الشركات المساهمة والشركات التي تساهم الحكومة في رأس مالها، والمنشآت التي تزاول الأعمال المصرفية.
  • رؤساء وأعضاء مجالس إدارات تلك الشركات.
  • موظفو وأعضاء الجمعيات الأهلية ذات النفع العام ورؤساء وأعضاء مجالس إدارتها.
  • الموظف العمومي الأجنبي وموظفو المؤسسات والمنظمات الدولية فيما يتعلق بتصريف الأعمال التجارية الدولية.

ويترتب على ذلك أن موظف الشركة المساهمة أو البنك قد يُعامل معاملة الموظف العام في تطبيق عقوبات النظام.

الرشوة في القطاع الخاص

أضاف تعديل عام 1440هـ مادتين جديدتين جرمتا الرشوة في القطاع الخاص صراحة:

  • المادة التاسعة مكرر (1): كل شخص وعد أو عرض أو منح عطية لأي شخص يعمل في الجمعيات الأهلية أو التعاونية أو المؤسسات الأهلية أو الشركات أو المؤسسات الخاصة أو الهيئات المهنية، لأداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه بما يشكل إخلالًا بواجباته، يعد راشيًا.
  • المادة التاسعة مكرر (2): كل من يعمل في تلك الجهات وطلب أو قبل أو أخذ وعدًا أو عطية لذلك الغرض يعد مرتشيًا.

والعقوبة في الحالتين السجن مدة لا تزيد على خمس سنوات، أو غرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال، أو العقوبتان معًا.

مسؤولية الراشي والوسيط والشريك

قررت المادة العاشرة معاقبة الراشي والوسيط وكل من اشترك في الجريمة بالعقوبة المقررة لها، ويعد شريكًا كل من اتفق أو حرض أو ساعد على ارتكابها مع علمه بذلك متى وقعت الجريمة بناءً على ذلك. كما نصت المادة التاسعة على معاقبة من عرض رشوة أو وعد بها ولم تُقبل منه بالسجن مدة لا تتجاوز عشر سنوات وبغرامة لا تزيد على مليون ريال أو بإحداهما. وعاقبت المادة الحادية عشرة من يعينه المرتشي أو الراشي لأخذ الرشوة مع علمه بالسبب بالسجن مدة لا تتجاوز سنتين وبغرامة لا تزيد على خمسين ألف ريال أو بإحداهما.

مسؤولية المنشأة عن جريمة الرشوة

من أهم أحكام النظام بالنسبة للشركات المادة التاسعة عشرة، التي أوجبت على الجهة المختصة بالحكم أن تحكم على أي شركة أو مؤسسة خاصة، وطنية أو أجنبية، أُدين مديرها أو أحد منسوبيها في جريمة رشوة إذا ثبت أن الجريمة ارتكبت لمصلحتها، بإحدى العقوبتين التاليتين أو بهما معًا:

  • غرامة لا تتجاوز عشرة أضعاف قيمة الرشوة.
  • الحرمان من التعاقد مع الوزارات والمصالح الحكومية والأجهزة ذات الشخصية المعنوية العامة لتأمين مشترياتها وتنفيذ مشروعاتها وأعمالها.

كما أجازت المادة العشرون للجهات الحكومية المتعاقدة مع المنشأة المحكوم بحرمانها أن ترفع إلى مجلس الوزراء بما تراه بشأن الأعمال التي تنفذها المنشأة، ولو لم تكن لها علاقة بالجريمة.

العقوبات التبعية والمصادرة

  • العزل والحرمان من الوظائف العامة: يترتب على إدانة الموظف العام أو من في حكمه عزله وحرمانه من تولي الوظائف العامة وما في حكمها (المادة الثالثة عشرة)، مع إمكانية إعادة النظر في العقوبات التبعية بعد خمس سنوات من انتهاء تنفيذ العقوبة الأصلية وفق الآلية الواردة في المادة الرابعة عشرة بعد تعديلها.
  • المصادرة: يُحكم بمصادرة المال أو الميزة أو الفائدة محل الجريمة متى أمكن ذلك، أو مصادرة قيمته، ومصادرة أي عائدات ترتبت عليه (المادة الخامسة عشرة بعد تعديلها).
  • العود: إذا ارتكب المحكوم عليه جريمة أخرى من جرائم النظام قبل مضي خمس سنوات من انقضاء العقوبة، جاز الحكم عليه بأكثر من الحد الأعلى بشرط ألا يتجاوز ضعفه (المادة الثامنة عشرة).

الإعفاء من العقوبة ومكافأة المبلّغ

شجع النظام على كشف جرائم الرشوة؛ إذ نصت المادة السادسة عشرة على إعفاء الراشي أو الوسيط من العقوبة الأصلية والتبعية إذا أخبر السلطات بالجريمة قبل اكتشافها. وقررت المادة السابعة عشرة مكافأة لمن أرشد إلى جريمة رشوة وأدت معلوماته إلى ثبوتها، ولم يكن راشيًا أو شريكًا أو وسيطًا، لا تقل عن خمسة آلاف ريال ولا تزيد على نصف قيمة المال المصادر.

جدول موجز بعقوبات الرشوة

الجريمةالعقوبةالسند
رشوة الموظف العام (أداء عمل أو امتناع أو إخلال)سجن حتى 10 سنوات و/أو غرامة حتى مليون ريالالمواد 1–3
الإخلال بالواجب نتيجة رجاء أو وساطةسجن حتى 3 سنوات و/أو غرامة حتى 100 ألف ريالالمادة 4
عرض الرشوة أو الوعد بها دون قبولهاسجن حتى 10 سنوات و/أو غرامة حتى مليون ريالالمادة 9
الرشوة في القطاع الخاص (راشيًا أو مرتشيًا)سجن حتى 5 سنوات و/أو غرامة حتى 500 ألف ريالالمادة 9 مكرر (1) و(2)
المنشأة التي ارتكبت الجريمة لمصلحتهاغرامة حتى 10 أضعاف الرشوة و/أو الحرمان من التعاقد الحكوميالمادة 19

أمثلة عملية توضيحية

الأمثلة التالية افتراضية لتوضيح القواعد النظامية، وليست وقائع قضائية حقيقية.

المثال الأول: رشوة مسؤول مشتريات في شركة خاصة

لنفترض أن مورّدًا قدم لمسؤول المشتريات في شركة خاصة مبلغًا ماليًا مقابل ترسية عقد توريد عليه رغم أن عرضه ليس الأفضل. هذه الواقعة تندرج تحت المادة التاسعة مكرر (1) بالنسبة للمورد بوصفه راشيًا، والمادة التاسعة مكرر (2) بالنسبة لمسؤول المشتريات بوصفه مرتشيًا، ويعاقب كل منهما بالسجن حتى خمس سنوات أو الغرامة حتى خمسمائة ألف ريال أو بهما معًا.

المثال الثاني: رشوة لمصلحة الشركة

لنفترض أن مدير مبيعات في شركة دفع رشوة لموظف في جهة حكومية لتسريع الحصول على عقد للشركة، وأُدين بذلك. إضافة إلى عقوبة المدير، يجب الحكم على الشركة وفق المادة التاسعة عشرة بغرامة لا تتجاوز عشرة أضعاف قيمة الرشوة أو بحرمانها من التعاقد مع الجهات الحكومية أو بالعقوبتين، متى ثبت أن الجريمة ارتكبت لمصلحتها.

المبادئ الحاكمة لقيام جريمة الرشوة وإثباتها

  • اكتمال الجريمة بالطلب أو القبول: لا يشترط تنفيذ العمل المتفق عليه، ولا يؤثر اتجاه قصد الموظف إلى عدم القيام به.
  • اتساع مفهوم العطية: يشمل كل فائدة أو ميزة مادية أو غير مادية.
  • الارتباط بالوظيفة: يجب أن تكون العطية مقابل عمل من أعمال الوظيفة أو الامتناع عنه أو الإخلال به.
  • القصد الجنائي: يلزم توافر العلم والإرادة لدى الجاني، ويُستخلص ذلك من ظروف كل واقعة وأدلتها.

وتطبيق هذه المعاني يختلف بحسب وقائع كل قضية وأدلتها.

كيف تحمي المنشأة نفسها من مخاطر الرشوة

  • اعتماد سياسة مكتوبة لمكافحة الرشوة تحدد الهدايا والضيافة المسموح بها وحدودها.
  • إدراج بنود مكافحة الرشوة في العقود مع الموردين والوكلاء والوسطاء.
  • تطبيق ضوابط على المشتريات والمناقصات تفصل بين الصلاحيات وتوثق القرارات.
  • إتاحة قنوات آمنة للإبلاغ الداخلي ومعالجة البلاغات بجدية.
  • تدريب الموظفين، خاصة في المبيعات والمشتريات والعلاقات الحكومية.
  • العناية الواجبة عند التعامل مع وسطاء يتعاملون مع جهات حكومية نيابة عن المنشأة.

كيف يساعدك موقع الجوهر في قضايا الرشوة والامتثال

يقدم موقع الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية ضمن خدمات القضايا الجزائية والامتثال ما يلي:

  • إعداد سياسات مكافحة الرشوة والفساد وبرامج الامتثال للمنشآت.
  • مراجعة العقود وإضافة بنود مكافحة الرشوة.
  • تقديم الاستشارات في حالات الاشتباه والتحقيقات الداخلية.
  • الترافع والدفاع في القضايا الجزائية المتعلقة بالرشوة.

للاستفسار والتواصل: 0538448445

الخلاصة

يجرم نظام مكافحة الرشوة في السعودية صور الرشوة المختلفة لدى الموظف العام ومن في حكمه، ويعاقب عليها بالسجن حتى عشر سنوات والغرامة حتى مليون ريال، وقد امتد بعد تعديل عام 1440هـ إلى الرشوة في القطاع الخاص بعقوبة تصل إلى السجن خمس سنوات والغرامة خمسمائة ألف ريال. كما يسأل الراشي والوسيط والشريك، وتتحمل المنشأة التي ارتكبت الجريمة لمصلحتها غرامة تصل إلى عشرة أضعاف الرشوة أو الحرمان من التعاقد الحكومي.

وفي المقابل يعفي النظام الراشي أو الوسيط الذي يبلغ عن الجريمة قبل اكتشافها، ويكافئ المبلّغ الذي تؤدي معلوماته إلى ثبوتها. ولذلك فإن بناء برنامج امتثال فعال هو أفضل حماية للمنشأة ومنسوبيها.

موقع الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية

0538448445

المراجع النظامية

شعار الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية

© 2026 الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية — جميع الحقوق محفوظة