شعار الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية
غسل الأموال في السعودية

غسل الأموال في السعودية: التزامات المنشآت ومخاطر عدم الامتثال

لم تعد مكافحة غسل الأموال شأنًا يخص البنوك وحدها؛ فالنظام السعودي يفرض التزامات وقائية واضحة على المؤسسات المالية وعلى عدد من الأعمال والمهن غير المالية، ويعاقب الشركات نفسها إذا ارتُكبت الجريمة باسمها أو لحسابها بغرامات قد تصل إلى خمسين مليون ريال. ولذلك أصبح الامتثال لنظام مكافحة غسل الأموال في السعودية عنصرًا أساسيًا في إدارة المخاطر القانونية لأي منشأة معنية.

ويشرح هذا المقال أحكام نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/20) وتاريخ 5/2/1439هـ وتعديلاته، مع التركيز على صور الجريمة، والتزامات المنشآت، والجزاءات الإدارية والعقوبات الجزائية، وكيف تتجنب المنشأة مخاطر عدم الامتثال.

ملاحظة نظامية مهمة: عُدّلت بعض مواد النظام بالمرسوم الملكي رقم (م/223) وتاريخ 27/10/1447هـ، ومن ذلك حذف عبارة «المنظمات غير الهادفة إلى الربح» من بعض المواد، وتعديل المادتين الثامنة والعشرين والثالثة والثلاثين. ويعتمد هذا المقال على النص بعد هذه التعديلات.

مفهوم جريمة غسل الأموال

حددت المادة الثانية من النظام الأفعال التي يُعد مرتكبها مرتكبًا لجريمة غسل الأموال، وهي:

  • تحويل الأموال أو نقلها أو إجراء أي عملية بها مع العلم بأنها من متحصلات جريمة، لإخفاء مصدرها غير المشروع أو تمويهه، أو لمساعدة المتورط في الجريمة الأصلية على الإفلات من عواقبها.
  • اكتساب الأموال أو حيازتها أو استخدامها مع العلم بأنها من متحصلات جريمة أو مصدر غير مشروع.
  • إخفاء أو تمويه طبيعة الأموال أو مصدرها أو حركتها أو ملكيتها أو مكانها أو طريقة التصرف بها أو الحقوق المرتبطة بها، مع العلم بأنها من متحصلات جريمة.
  • الشروع والاشتراك: بالاتفاق أو المساعدة أو التحريض أو تقديم المشورة أو التسهيل أو التواطؤ أو التستر أو التآمر.

وعرفت المادة الأولى «الجريمة الأصلية» تعريفًا واسعًا يشمل كل فعل يُرتكب داخل المملكة ويُعد جريمة معاقبًا عليها شرعًا أو نظامًا، وكل فعل يُرتكب خارجها إذا كان جريمة في الدولة التي ارتكب فيها وفي المملكة لو ارتكب داخلها.

استقلال جريمة غسل الأموال

قررت المادة الرابعة أن جريمة غسل الأموال جريمة مستقلة عن الجريمة الأصلية، فلا تلزم إدانة الشخص بالجريمة الأصلية لإدانته بغسل الأموال، وأن القصد أو العلم أو الغرض يُستخلص من الظروف والملابسات الموضوعية والواقعية للقضية.

مسؤولية المنشأة بوصفها شخصًا اعتباريًا

نصت المادة الثالثة على أن الشخص الاعتباري يُعد مرتكبًا لجريمة غسل الأموال إذا ارتُكب أي من أفعالها باسمه أو لحسابه، وذلك دون إخلال بالمسؤولية الجنائية لرؤساء وأعضاء مجالس إداراته أو ملاكه أو العاملين فيه أو ممثليه المفوضين أو مدققي حساباته أو أي شخص طبيعي يتصرف باسمه أو لحسابه.

المنشآت المخاطبة بالتزامات النظام

يخاطب النظام بالتزاماته الوقائية فئتين رئيسيتين:

  • المؤسسات المالية: كل من يزاول نشاطًا أو عملية مالية تحددها اللائحة لمصلحة عميل أو نيابة عنه.
  • الأعمال والمهن غير المالية المحددة: وهي الأعمال التجارية أو المهنية التي تحددها اللائحة التنفيذية.

كما أشارت المادة الخامسة عشرة صراحة إلى الأشخاص الذين يقدمون خدمات قانونية أو محاسبية ضمن المخاطبين بالتزام الإبلاغ عن الاشتباه. ولذلك ينبغي لكل منشأة أن تتحقق، وفق اللائحة التنفيذية، مما إذا كان نشاطها يدخل ضمن هذه الفئات.

التزامات المنشآت لمكافحة غسل الأموال

تقييم المخاطر

أوجبت المادة الخامسة على المنشآت المخاطبة تحديد مخاطر غسل الأموال لديها وتقييمها وتوثيقها وتحديثها باستمرار، مع مراعاة العوامل المرتبطة بالعملاء والدول والمناطق الجغرافية والمنتجات والخدمات والمعاملات وقنوات التسليم، ومخاطر المنتجات والتقنيات الجديدة قبل استخدامها.

العناية الواجبة تجاه العملاء

ألزمت المادة السابعة بتطبيق تدابير العناية الواجبة على العملاء، وتحديد نطاقها بحسب مستوى المخاطر، مع تطبيق تدابير مشددة عند ارتفاع المخاطر. وأوجبت المادة الثامنة استخدام أدوات مناسبة لتحديد ما إذا كان العميل أو المستفيد الحقيقي من أصحاب المهمات العامة العليا أو المناصب الإدارية العليا، وتطبيق تدابير إضافية عندئذٍ. كما أوجبت المادة الحادية عشرة تدابير مشددة عند التعامل مع أشخاص من دول عالية المخاطر.

حظر الحسابات المجهولة

منعت المادة السادسة المؤسسات المالية من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مرقمة أو مجهولة الاسم أو بأسماء وهمية.

الاحتفاظ بالسجلات

أوجبت المادة الثانية عشرة الاحتفاظ بجميع سجلات التعاملات المالية والصفقات التجارية والنقدية، المحلية والخارجية، مدة لا تقل عن عشر سنوات من تاريخ انتهاء العملية أو قفل الحساب، وكذلك سجلات العناية الواجبة وملفات الحسابات والمراسلات وصور الهويات مدة لا تقل عن عشر سنوات من انتهاء علاقة العمل. وللنيابة العامة إلزام المنشأة بتمديد هذه المدة لأغراض التحقيق.

المراقبة المستمرة

ألزمت المادة الثالثة عشرة بمراقبة المعاملات وفحصها باستمرار، والتدقيق في المعاملات المعقدة أو الكبيرة بشكل غير عادي والأنماط غير الاعتيادية التي لا يظهر لها غرض اقتصادي أو مشروع واضح، مع الاحتفاظ بسجلات الفحص عشر سنوات.

السياسات والضوابط الداخلية

أوجبت المادة الرابعة عشرة وضع سياسات وإجراءات وضوابط داخلية لمكافحة غسل الأموال تتناسب مع طبيعة أعمال المنشأة وحجمها، وتوافق عليها الإدارة العليا، وتُراجع باستمرار، وتُطبق على الفروع والشركات التابعة المملوكة بحصة الأغلبية.

الإبلاغ عن العمليات المشتبه بها

أوجبت المادة الخامسة عشرة على المنشآت المخاطبة، عند الاشتباه أو توافر أسباب معقولة للاشتباه في أن الأموال من متحصلات جريمة أو مرتبطة بغسل الأموال، إبلاغ الإدارة العامة للتحريات المالية فورًا وبشكل مباشر بتقرير مفصل، والاستجابة لما تطلبه من معلومات إضافية.

حظر التنبيه والحماية عند الإبلاغ بحسن نية

حظرت المادة السادسة عشرة تنبيه العميل أو غيره إلى أن بلاغًا قُدم أو سيُقدم أو أن تحقيقًا جاريًا، وقررت في المقابل أنه لا تترتب على المنشأة أو منسوبيها أي مسؤولية تجاه المبلَّغ عنه عند الإبلاغ أو تقديم المعلومات بحسن نية.

مخاطر عدم الامتثال: الجزاءات الإدارية

منحت المادة الخامسة والعشرون الجهة الرقابية، عند اكتشاف مخالفة لأحكام النظام أو اللائحة أو القرارات ذات الصلة، صلاحية فرض إجراء أو جزاء أو أكثر، منها:

  • الإنذار الكتابي، أو الأمر بالالتزام بتعليمات محددة أو بتقديم تقارير منتظمة.
  • غرامة لا تتجاوز خمسة ملايين ريال عن كل مخالفة.
  • منع المخالف من العمل في القطاعات الخاضعة لرقابتها مدة تحددها.
  • تقييد صلاحيات المديرين أو أعضاء مجلس الإدارة أو الإدارة التنفيذية أو الملاك المسيطرين، أو إيقافهم أو طلب تغييرهم.
  • إيقاف النشاط أو تقييده أو حظره، وتعليق الترخيص أو تقييده أو سحبه أو إلغاؤه.

وتطبق هذه الجزاءات على مخالفة التزامات الامتثال ذاتها، ولو لم تثبت جريمة غسل أموال.

العقوبات الجزائية لجريمة غسل الأموال

الحالةالعقوبةالسند
الشخص الطبيعي – الأصلسجن من سنتين إلى عشر سنوات و/أو غرامة حتى 5 ملايين ريالالمادة 26
الشخص الطبيعي – مع ظرف مشددسجن من ثلاث إلى خمس عشرة سنة و/أو غرامة حتى 7 ملايين ريالالمادة 27
التخفيف عند التعاون بعد علم السلطاتسجن من سنة إلى سبع سنوات و/أو غرامة حتى 3 ملايين ريالالمادة 30
الشخص الاعتباري (المنشأة)غرامة لا تزيد على 50 مليون ريال ولا تقل عن ضعف قيمة الأموال محل الجريمة، مع جواز منع النشاط أو إغلاق المكاتب أو التصفيةالمادة 31

ومن الظروف المشددة التي عددتها المادة السابعة والعشرون: ارتكاب الجريمة من خلال جماعة إجرامية منظمة، أو استخدام العنف أو الأسلحة، أو اتصالها بوظيفة عامة أو استغلال السلطة أو النفوذ، أو الاتجار بالبشر، أو استغلال قاصر، أو ارتكابها من خلال مؤسسة إصلاحية أو خيرية أو تعليمية، أو سبق إدانة الجاني.

آثار أخرى للإدانة

  • منع السعودي المحكوم عليه بالسجن من السفر مدة مماثلة لمدة سجنه، وإبعاد غير السعودي بعد تنفيذ العقوبة ومنعه من الدخول إلا لأداء الحج أو العمرة وفق الأحكام المنظمة لذلك (المادة 28 بعد تعديلها).
  • جواز نشر ملخص الحكم على نفقة المحكوم عليه بعد اكتسابه الصفة النهائية (المادة 32).
  • مصادرة الأموال المغسولة والمتحصلات والوسائط، ومصادرة الأموال الأخرى للجاني التي لا تتناسب مع دخله المشروع إذا تبين أنها مستمدة من سلوك إجرامي ما لم يثبت مشروعيتها، مع حماية حقوق الغير حسن النية (المادة 33 بعد تعديلها)، ومصادرة ما يعادل القيمة إذا تعذرت مصادرة الأموال نفسها (المادة 35).

تخفيف العقوبة عند الإبلاغ

أجازت المادة التاسعة والعشرون تخفيف العقوبة عن مرتكب الجريمة الذي يبلغ السلطات عنها قبل علمها بها أو عن مرتكبيها الآخرين، إذا أدى بلاغه إلى ضبطهم أو ضبط الأموال أو المتحصلات، وفق ما تقضي به المادة الثلاثون.

أمثلة عملية توضيحية

الأمثلة التالية افتراضية لتوضيح القواعد النظامية، وليست وقائع قضائية حقيقية.

المثال الأول: صفقات غير اعتيادية دون فحص

لنفترض أن منشأة من الأعمال والمهن غير المالية المحددة تلقت من عميل جديد مبالغ نقدية كبيرة على دفعات متقاربة دون مبرر اقتصادي واضح، ولم تطبق العناية الواجبة ولم تبلغ عن الاشتباه. حتى لو لم يثبت أن المنشأة شاركت في غسل الأموال، فقد تتعرض لجزاءات الجهة الرقابية وفق المادة الخامسة والعشرين، ومنها غرامة تصل إلى خمسة ملايين ريال عن كل مخالفة، لإخلالها بالتزامات المواد السابعة والثالثة عشرة والخامسة عشرة.

المثال الثاني: تنبيه العميل

لنفترض أن موظفًا في مؤسسة مالية أخبر عميلًا بأن المؤسسة رفعت بلاغًا بشأن عملياته. هذا التصرف يخالف حظر التنبيه الوارد في المادة السادسة عشرة، ويعرض المؤسسة وموظفها للمساءلة، لأنه قد يمكّن صاحب الأموال من إخفائها قبل اتخاذ الإجراءات.

المبادئ الحاكمة لإثبات جريمة غسل الأموال

  • استقلال الجريمة: لا يشترط إدانة الشخص بالجريمة الأصلية لإدانته بغسل الأموال (المادة 4).
  • القصد والعلم: يستخلصان من الظروف والملابسات الموضوعية والواقعية للقضية، ومن ذلك مصادر الأموال وطبيعة التعاملات.
  • مسؤولية المنشأة والأفراد معًا: مسؤولية الشخص الاعتباري لا تنفي مسؤولية من تصرف باسمه أو لحسابه (المادة 3).
  • حماية الغير حسن النية: لا تُصادر الأموال إذا أثبت صاحبها أنه اكتسبها بمقابل عادل أو بسبب مشروع وكان يجهل مصدرها غير المشروع.

وتطبيق هذه المعاني يختلف بحسب وقائع كل قضية وأدلتها.

خطوات عملية لتعزيز امتثال المنشأة

  • التحقق من خضوع نشاط المنشأة للنظام وفق اللائحة التنفيذية، وتحديد الجهة الرقابية المختصة.
  • إعداد تقييم موثق لمخاطر غسل الأموال وتحديثه دوريًا.
  • اعتماد سياسات وإجراءات داخلية معتمدة من الإدارة العليا، وتعيين مسؤول للامتثال.
  • تطبيق إجراءات «اعرف عميلك» والتحقق من المستفيد الحقيقي.
  • بناء آلية داخلية لرصد المعاملات غير الاعتيادية ورفع البلاغات للإدارة العامة للتحريات المالية.
  • تدريب الموظفين على مؤشرات الاشتباه وحظر التنبيه.
  • تنظيم أرشفة السجلات بما يضمن الاحتفاظ بها عشر سنوات على الأقل.

كيف يساعدك موقع الجوهر في الامتثال لمكافحة غسل الأموال

يقدم موقع الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية ضمن خدمات الاستشارات والامتثال ما يلي:

  • تقييم خضوع المنشأة للنظام وتحديد التزاماتها.
  • إعداد سياسات وإجراءات مكافحة غسل الأموال وتقييم المخاطر.
  • مراجعة إجراءات العناية الواجبة والإبلاغ.
  • التمثيل أمام الجهات الرقابية والدفاع في القضايا الجزائية ذات الصلة.

للاستفسار والتواصل: 0538448445

الخلاصة

يفرض نظام مكافحة غسل الأموال في السعودية على المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة التزامات وقائية تشمل تقييم المخاطر، والعناية الواجبة، والاحتفاظ بالسجلات عشر سنوات، والمراقبة المستمرة، ووضع سياسات داخلية، والإبلاغ الفوري عن الاشتباه مع حظر التنبيه. ومخالفة هذه الالتزامات وحدها قد تعرض المنشأة لغرامة تصل إلى خمسة ملايين ريال عن كل مخالفة وتعليق الترخيص أو إلغائه.

أما جريمة غسل الأموال ذاتها فيعاقب عليها الشخص الطبيعي بالسجن حتى عشر سنوات وغرامة حتى خمسة ملايين ريال، وترتفع العقوبة عند توافر الظروف المشددة، وتعاقب المنشأة بغرامة تصل إلى خمسين مليون ريال ولا تقل عن ضعف قيمة الأموال محل الجريمة. ولذلك يبقى برنامج الامتثال الفعال أفضل وسيلة لحماية المنشأة وإدارتها.

موقع الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية

0538448445

المراجع النظامية

شعار الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية

© 2026 الجوهر للمحاماة والاستشارات القانونية — جميع الحقوق محفوظة